الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
115
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من قبل يوم بدر . ودلّ معنى المجاوزة الذي في عَنْ على أنّ المعنى ، أن يكون الهلاك والحياة صادرين عن بيّنة وبارزين منها . وقرأ نافع ، والبزّي عن ابن كثير ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف « حيي » بإظهار الياءين ، وقرأه البقية : « حيّ » بإدغام إحدى الياءين في الأخرى على قياس الإدغام وهما وجهان فصيحان . و عَنْ للمجاوزة المجازية ، وهي بمعنى ( بعد ) ، أي : بعد بيّنة يتبيّن بها سبب الأمرين : هلاك من هلك ، وحياة من حيي . وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ تذييل يشير إلى أنّ اللّه سميع دعاء المسلمين طلب النصر ، وسميع ما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر ومن مودّتهم أن تكون غير ذات الشوكة هي إحدى الطائفتين التي يلاقونها ، وغير ذلك ، وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة وبما يصلح بهم ويبني عليه مجد مستقبلهم . [ 43 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 43 ] إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ بدل من قوله : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا [ الأنفال : 42 ] فإنّ هذه الرؤيا ممّا اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا لوقوعها في مدّة نزول المسلمين بالعدوة من بدر ، فهو بدل من بدل . والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم ، ويطلق على زمن النوم وعلى مكانه . ويتعلق قوله : فِي مَنامِكَ بفعل يُرِيكَهُمُ ، فالإراءة إراءة رؤيا ، وأسندت الإراءة إلى اللّه تعالى ؛ لأنّ رؤيا النبي صلى اللّه عليه وسلم وحي بمدلولها ، كما دلّ عليه قوله تعالى ، حكاية عن إبراهيم وابنه قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [ الصافات : 102 ] فإنّ أرواح الأنبياء لا تغلبها الأخلاط ، ولا تجول حواسهم الباطنة في العبث ، فما رؤياهم إلّا مكاشفات روحانية على عالم الحقائق . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد رأى رؤيا منام ، جيش المشركين قليلا ، أي قليل العدد وأخبر برؤياه المسلمين فتشجّعوا للقاء المشركين ، وحملوها على ظاهرها ، وزال عنهم ما كان